المدخل إلى علم أصول الفقه والقصد من دراسته


بسم الله الرحمن الرحيم

Bersuci, bab pertama dalam fiqh

<h1>إن علم أصول الفقه لمن أهم العلوم الشرعية قدرا ، وأجلها أثرا ، وأكثرها فائدة ، إذ هو العلم الكفيل بالنظر فى الأدلة الشرعية ، كتابا وسنة وإجماعا وقياسا  وغيرها ، من حيث تؤخذ منها الأحكام الشرعية والتكاليف.

وهو العاصم لذهن الفقيه عن الخطأ فى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية والعمدة لأصحاب الخلاف المتمسكين بمذاهب أئمّتهم فيما يجرى بينهم من المناظرات فى المسائل الشرعية لتصحيح كل منهم مذهب إمامه وإثبات بنائه على أصول صحيحة ، وطرائق قوية يحتج بها كل على مذهبه الذى قلّده وتمسّك به.

تعريف علم أصول الفقه

إن كلمة ” أصول الفقه ” قبل أن يُطلق على هذا الفنّ المعروف مركّبٌ من كلمتين تركيبا إضافيّاً يدلّ جزؤه على جزء معناه ، ولبيان كل من المعنيين نقول :

أولاً : بيان المعنى الإضافى

إن لفظ أصول الفقه مركب من المضاف والمضاف إليه ، فالمضاف هو لفظ الأصول ، وهو جمع أصل معناه فى اللغة : ما ينبنى عليه غيره ، سواء كان حسيا كقواعد البيت ، قال تعالى : وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ، أو معنويّا مثل : قواعد الدين ، وكقواعد النحو بأن الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب .

وفى عرف العلماء بمعنى القاعدة ، وهى القضية الكلية التى يعرف بها أحكام جرئياتها .

وفى اصطلاح الأصوليين بمعنى الدليل الإجمالى ، وبمعنى الأمر المقيس عليه غَيره فى الحكم وبمعنى الحكم السابق المستصحب .

ويطلق فى اصطلاح الفقهاء على الدليل التفصيلى كقولهم الأصل فى وجوب الوضوء قوله تعالى : ” يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق.

أما الفقه فهو لغة يطلق على الفهم مطلقا ، أو فهم الأشياء الدقيقة أو فهم غرض المتكلم ، وفى الاصطلاح يطلق على ” العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلّتها التفصيلية .

” فالعلم ” مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق ، وهو جنس فى التعريف ليشمل العلم بالأفراد مثل علمتُ محمدا والعلم بالصفات كالعلم البياض والسواد إلى غير ذلك.

” بالأحكام ” جار وجرور متعلق بـ”العلم” ومعناه : إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه . مثل الصلاة واجبة  والوتر غير واجب ، والأحكام جنس فى التعريف يشمل جميع الأحكام ، كالأحكام المتعلقة بالعقليات والنظريات والعاديات  فلمّا أضيف إلى لفظ “الشرعية”خرج به الأحكام اللغوية والعقلية والعادية ، فالشرع هنا ما كان مأخوذا من الشرع ، بمعنى أدلّته  كالكتاب والسنّة ، والإجماع والقياس و الاستصحاب والمصالح المرسلة وغيرها.

” والعملية ”  أى المبنية لكيفية العمل ، والعمل هنا فعل المكلف عرفاً ، سوا كانت أفعالا للجوارح كالمشي بالرجل والبطش باليد وغير ذلك أم كانت أفعال باللسان كالغية والنميمة أم كانت أفعالا للقلوب كالحسد ، والأحكام المتعلقة بهذه الأفعال من وجوب وندب وتحريم أحكام شرعية ، والعملية قيد ثالث  خرج به الأحكام الاعتقادية مثل وحدانية الله تعالى وأنه يُرى فى الآخرة فالإيمان بهذه الأحكام اعتقادي .

” المكتسب ” صفة للعلم ومعناه الحاصل بعد أن لم يكن

” من أدلّتها ” أى الأحكام المأخوذة من الأدلّة وهو قيد خامس خرج به علم الرسول صلى الله عليه وسلّم فإنّه مأخوذ من الوحى ، وعلم جبريل فإن مأخوذ من اللوح ، وعلم الصحابة الذى تلقوه عن الرسول ، وعلم المقلّد فإنّه مأخوذ من المجتهد أو لمفتى لا من الأدلّة . ودخل علم الرسول صلى الله عليه وسلّم بالأحكام التى اجتهد فيها ، ودخل بها علم الصحابة بالأحكام التى اجتهدوا فيها.

” التفصيلية ” صفة للأدلّة ، ومعناها الأدلّة الجزئية والتفصيلية ، وهو قيد سادس لبيان الواقع مأخوذ من الأدلّة التفصيلية لا من الأدلّة الإجمالية . مثل وجوب الصلاة والزكاة المأخوذ من قول الله تعالى : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، و كوجوب الحج المأخوذ من قوله تعالى : ولله على الناس حجُّ البيت .

وبعد ما عرفنا تعريف الفقه اصطلاحا بقى لنا الآن أن نسأل هل كان الفقه قطعياً أم ظنيّا ؟، اخنلف العلماء فى ذلك : ذهب البعض إلى أن الفقه مقطوع به والظن وقع فى الطريق الموصل إليه ، وذهب بعض الآخر إلى أن بعض الفقه مظنون وبعضه مقطوع به ، وأكثر الفقه مأخوذة من أدلّتها التفصيلية ، والدليل التفصيلى جزء من الدليل الإجمالي الذى هو كلي وأكثر الأدلة التفصيلية ظنية كخبر الواحد مثلا.

تخريج الأحكام الشرعية بأنّ الفقه مظنون

1-   وجب على مكلف إذا ظن طهارة الماء ،كأن وجد إناءين أحدهما طاعر بيقين والآخر نجس بيقين ولا يعرف الطاهر منهما بعينه ، فإن غلب على ظنّه طهارة أحد الإناءين استعمله بمقتضى ظنه.

2-   إذا ظن المكلف طهارة الثوب وذلك كأن يكون عنده ثوبان أحدها طاهر بيقين والآخر نجس بيقين ، فإذا غلب على ظنّه طهارة أحد الثوبين جاز له أن يصلي به ، وإذا ظنّ الذى وصل إليه المجتهد يجب عليه أن يعمل بمقتضاه .

3-   إذا ظن المكلف أنّه مستقبل للقبلة كما لو أن فى الصخراء ولم يستطع جهة القبلة ، فإذا غلب على ظنّه أن مستقبل القبلة وجب عليه أن يصلي على الجهة التى غلب على ظنه أنها القبلة .

تخريج الأحكام بأن الفقه مقطوع

1-               ما إذا قال أحد لآخر : له عليَّ ألف فى علمي أو فى ظني ، لزمه الأول فى حالة إذا قاله فى علمي ، والسبب فى ذلك أن براءة الذمّة ثبت بيقين ، ولما قال فى علمي : فألزمه الذمة بشغل شيئ بيقين ، وإقرار الثانى متأخرة ، وبراءة الذمة متقدمة .أما لو قال: له عليّ ألف فى ظني فلا يلزم لأن الفقه مبني على القطع لا على الظن .

2-               إذا تيقن الطهاره وظن الحدث فهو متطهر لأن الفقه مبني على اليقين لا على الظنّ.

3-               ومن تيقن الحدث وظن الطهارة فهو محدث خلافا للإمام الرافعى .

تعريف أصول الفقه باعتباره فنا مستقلا

أما تعريف علم أصول الفقه باعتباره فنا مستقلا فقد عرفه الإمام البيضاوى فى منهاجه بأنّه : ” معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الإستفادة منها وحال المستفيد “.

فقد عبّر الإمام البيضاوى بلفظ المعرفة ، دون لفظ العلم لمناسبتها للمسائل الأصولية إذ يكفى فيها الدليل الظني ، فيكون التصديق بها أعم من أن يكون قطعيا أم ظنيّا ، بخلاف العلم فلا يطلق إلا على الدليل القطعى. وقوله ” دلائل الفقه ” جمع الدليل وهو فى اللغة المرشد للشيئ والكاشف عن حقيقته ، وفى الاصطلاح : ما يكمن بصحيح النظر فيه التوصل إلى مطلوب خبري سواء كان قطعيا أم ظنيا . ثم بإضافته إلى ” الفقه ” أفاد العموم لأن جمع مضاف ، فيعم الأدلة المتفق عليها كالكتاب والسنة والإجماع والقياس والمختلف فيها كالمصالح المرسلة وسد الذرائع وقول الصحابى .

وقد احترز بدلائل الفقه عن ثلاة أشياء .

1-               معرفة غير الأدلة كمعرفة الفقه ونحوه

2-               معرفة أدلة غير الفقه ، كأدلة النحو والكلام .

3-               ومعرفة بعض أدلة الفقه ، كالباب الواحد من أصول الفقه

وقوله ” إجمالا ” أى من حيث الجملة لا من حيث التفصيل ، مثل ” مطلق الأمر للوجوب ، فكل الأمر الصادر من القرآن يفيد الوجوب مثل الأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج وما إلى ذلك . وخرج به علم الفقه وعلم الخلاف.

وقوله “وكيفية الإستقادة منها” أى معرفة كيفية إستفادة الفقه من تلك الدلائل ، وذلك يرجع إلى معرفة شرائط الإستدلال ، ولا بد للأصولي من معرفة تعارض الأدلة ، ومعرفة الأسباب التى يترجح بها بعض الأدلة على البعض ، وذلك لأن معرفة “أدلة الفقه” هو استنباط الأحكام منها ، ولا يمكن الاستنباط منها إلا بعد معرفة التعارض والترجيح .

وقوله ” وحال المستفيد ” أى ومعرفة حال المستفيد ، وهو طالب حكم الله تعالى ، فيدخل فيها المجتهد لأنه يستفيد الأحكام من الأدلّة ، والمقلد فإنه يستفيد من المجتهد . إذا فيكون تعريف الإمام البيضاوى هذا : مباحث الأدلة ، ومباحث التعارض والترجيح  ـ، ومباحث الاجتهاد .

موضوع علم أصول الفثه

كثيرا ما نجد الأصوليين يبحثون فى أصول الفقه : عن أحوال لا تختص بالأدلة الشرعية بل تكون فى جميع التراكيب اللغوية كما فى المباحث المنطوق والمفهموم ، والحقيقة والمجاز ، والعام والخاص  ، والمطلق والمقيد ، وبقية مباحث الأقوال فلا تكون ذاتية .

فلذلك فقد قال الإمام أبو زهرة : بأنّ موضوع علم أصول الفقه : كل ما يتعلق بالمنهاج الذى يرسم للفقيه ليتقيد به قى استنباطه حتى لا يخرج عن الجادة ، فهو يرتب الأدلة ويبين من يخاطب بأحكام الشرع ، وينطبق عليه ما تقتضيه هذه الأدلة ، ويبيت من هو أهل للاستنباط ومن ليس بأهل للاستنباط ، ويبين القواعد اللغوية التى ترشد الفقيه إلى استخراج الأحكام من النصوص ، ويبين الموازين التى تضبط القياس وتقيد طرق استخراج العلل الجامعة بين الأصل المقيس عليه ، والفرع المقيس ، ويبين المصالح المعتبرة شرعاً ، وقواعدها العامة التى تبنى عليها الأقيسة ، أو تتخذ ذاتها أصلا للأحكام فى غير موضوع النص من غير تعرق نص خاص يقاس عليه فيها ، ثم بين مقام المصالح إلى…[2]

فائدة علم أصول الفقه

إن للأصول الفقه فوائد عظيمة ، والأثار العميقة ما لا يجمعه حصر ولا ولا يأتى عليه الذكر  ، ومن هذه الفوائد هى :

1-               الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية التى هى مناط السعادة الدينية والدنيوية ، أو سبب الفوز فى الدنيا وفى الآخرة أو نفس هذه المعرفة[3] .

2-               ومن أهم فوائده ، أنه من أكبر الوسائل لحفظ الدين وصون أدلته وحججه عن طعن الطاعنين ، وتشكيك المخالفين . وتضليل الملحدين .

استمداد علم أصول الفقه

إن علم اصول الفقه مستمد من ثلاثة علوم :

1- علم كلام : ووجه استمداده من هذا العلم : أن موضوع أصول الفقه الأدلة الإجمالية ، من حيث إثبات الأحكام الشرعية بجزئيتها عن طريقها ، كما ذهب الجمهور والشافعية ، أو هو الأحكام ، أو هو الأدلة والأحكام – كما ذهب بعض الحنفية .

ولما كان هذه الأدلة أو بكونها مفيدة للأحكام الشرعية ، متوقف على معرفة الله تعالى وصفاته ، ليمكن اسناد خطاب التكليف إليه ، وليعلم وجوب الإمتثال ما كلف به بخطاب مفترض الطاعة . ولأن حجية الكتاب متوقف على صدق رسول الله فيما جاء به وصدقه يتوقف على دلائل المعجزة ، ودلالتها تتوقف على امتناع التأثير غير القدرة القديمة ، ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال ، وعلى اثبات العلم والإرادة ، مما لا يعرف  فى غير علم الكلام ولا يدرك إلا عنه ، وهو المتكفل ببيان هذه الأصول ، لذا كان هذا العلم متوقفا عليه ، ولا يشترط عليه فى هذا الفن أن يعرف غرائب الكلام ودقائقه كمعرفة الأحوال وحدوث العالم وغيرهما .

2-               علم اللغة العربية ووجه استمداده من هذا العلم : أنّ معرفة دلالة اللفظية ، من الكتاب والسنة القولية  ، وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة كلها عربية تتوقف على معرفة موضوعاتها فى هذه اللغة : من جهة الحقيقة والمجاز والعموم والخصوص ، والمطلق والمقيد والأوامر والنواهى ودلالة الألفاظ ، إلى غير ذلك مما لا يعرف فى غير علم العربية . وقد وجدنا اختلاف العلماء في مسائل كثيرة تتعلق باللغة ووضعها ومعانيها واستعمالها، وكان لهذا الخلاف أثر كبير في صدور الأحكام الشرعية واختلاف الفقهاء فيها،  لذلك قال ابن خلدون في مقدمته عن اللغة والنحو والبيان والأدب ، : إنّ معرفتها ضرورية على أهل الشريعة ، وعلل ذلك بأن مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة ، وهى بلغة العرب ونقلتها من الصحابة والتابعين ، وشرح مشكلتها من لغاتهم فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة ، وأن هذه العلوم تتفاوت في التأكيد بتفاوت مراتبها في التوفية بمقصود الكلام ، والذى يتحصل أن الأهم المقدم منها النحو ، إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة ، فيُعرف الفاعل من المفعول ، والمبتدأ من الخبر ولولاه لجُهل أصل الإفادة…

أضرب لك مثالا آخر أثر النحو في اختلاف الفقهاء : فى قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ[4] …الأية… اختلف العلماء في هذه الأية فذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء لا بد من الترتيب أى لا يجوز لك أن تقدم اليد على الوجه  ولا الرجل على مسح الرأس لأن الواو يفيد الترتيب ، فإذا راجعنا إلى كتب الشافعية بل وهو من اجتهاد الإمام الشافعى على أن الوضوء لا بد من الترتيب مستدلا بأن الواو حرف العطف يفيد الترتيب ، واحتج سائر الجمهور بأدلة أخرى أقواها أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتوضئوا نحو وضوئه لتكون صلاتهم صحيحة ، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ومرتين ومرتين ومسح على الناصية ولم يٌنقل عنه أنه توضأ مخالفا الترتيب. أما الحنفية فذهبوا إلى أن الترتيب لا يشترط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب بل تفيد مطلق الجمع والمعية ، وهنا يمكننى أن أقول في هذا بأنّ مقصود الوضوء هو الطهارة فلما حصل به الطهارة صح الوضوء ولو لم يكن مرتباً.

ومثال آخر : لو وقف شخص على أولاده وأولاد أولاده ، فعلى القول بأن الواو لمطلق الجمع أو المعية وليست للترتيب يكون المال بين البطون أى بين الأولاد وأولاد الأولاد. وعلى القول بأنّها للترتيب لا يستحق أولاد أولاد إلا بعد الأولاد…

3-               الأحكام الشرعية : إن الناظر فى هذا العلم إنما ينظر فى أدلة الأحكام الشرعية فلا بدأن يكون عالما بحقائق هذه الأحكام ، بالتصور حقائق قصده إلى اثباتها أو نفيها، ليتمكن بذلك من إيضاح المسائل بضرب الأمثلة  وكثرة الشواهد ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال [5].

نشأة علم أصول الفقه

تأصلت قواعد علم الأصول مع رسوخ الإسلام في نفوس أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان العامل في رسوخ هذه القواعد في أفهامهم تأصل لغة القرآن فيهم ادراكا وفهما لما تقتضيه أسالبها ومعرفة كاملة بأسباب نزول الأيات و ورود الأحاديث ومعرفة الناسخ من ذلك و منسوخ مما كون عندهم ذوقا فقهيا موحدا في تفهمهم مرامي التشريع الإسلامي . هذا إلى جانب ما اسنتقوه من الفتاوى التى أفتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حوادث حدثت والأحكام التى قضى بها فى خصومة ، عرضت عليه سواء أكان فيها وحى خاص بها   فعمل صلى الله عليه وسلم بمقتضاه أم لن يكن فيها وحي فاجتهد برأيه حسب ما وفقه الله .  وكل هذه الإعتبارات كونت عند الصحابة دعائم يرتكزون عليها فى استنباطهم وإنلم تظهر فى صورة قواعد وقوانين فلم يكونوا فى حاجة إلى من يفهمهم مراد الله من أياته بل كانوا يفهمون بفطرتهم كتاب الله وسنة نبيه . فهم أدر الناس بالتشريع وأعلم  بأغراضه . ولكنه حينما تباعد الأسفار والمهمات بين الصحابة والرسول ويفقدون النص الذى يهديهم للحكم يجتهدون فيما يعرض عليهم واضعين نصب أعينهم مقاصد الشارع الحكيم مما شرع . ولا شك أن فى الاجتهاد استنباطا للأحكام الشرعية من الأدلّة ولا يمكن أن يكون ذلك من دون الملكة التى بها يقتدر مجتهد على استنباط الأحكام ومن أسس هذه الملكة معرفة كيفية الاستنباط والقواعد التى يمكن ان يركن إليها عند بذل الجهد لتحصيل الظن بالحكم الشرع غير أن هذه الأسس والقواعد لم تكن فى عصر الصحابة وكبار التابعين اصطلاحات ولا كانت القوانين مكتوبة وإنما هى على ما قال ابن خلدون : جبلة ملكة .

ولما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى  وانقطع الوحى قد ساروا على نهجهم فى عهده والتزموا ما كانوا عليه مجتهدين فيما استجد لهم من حوادث تارة فى فهم النصوص وأخرى بالاستدلال قياسا أو رعاية لمصلحة فكانوا إذا أرادوا الوقوف على حكم من الأحكام التى يحتاجون إليها فى شأن من شئونهم الدينية أو الدنيوية لجأوا مباشرة إلى كتاب الله تعالى فإن ولم يجدوا فيه حاجتهم لجأوا إلى سنة رسول الله فإنلم يجدوا فيها حاجتهم اجتهدوا وبحثوا عن الاشباه والأمثال وألحقوا الشبيه بشبيهه ، وساووا بينهما فى الحكم فإن لم يحدوا للمسألة التى يريدون الوقوف على حكمها شبيها ولا مثيلا شرعوا لها الحكم المناسبة والذى يحقق المصلحة.

وأما عصر التابعين وهو ما سبق ظهور عوارض الضعف وبعد أن اجتمعت كلمة المسلمين على معاوية بن أبي سفيان وظهرت الفرق السياسية من الخوارج والشيعة وتفرق علماء المسلمين فى الأمصار التى انتشر فيها الإسلام ودخل فيه أنماط من الناس كانت لهم مدينة وحضارة فإنا نجد أنه لم يكن لهذا فى بداية الأمر تأثير ملحوظ على طبيعته فلم يعوزهم ذلك إلى ضوابط لمعرفة الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ، فلغتهم ما زالت راسخة وفهمهم لمعانى الألفاظ وطرق دلالتها مازال جيدا وإدراكهم لأساليبها ما زال فى طبعهم فكانوا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفتاوى الصحابة . ولكنهم إن لم يجدوا نصاً يتعلق بأحد الجزئيات فمنهم من يلجأ إلى المصلحة كابن المسيب ومنهم من يلجأ إلى القياس كالنخعى .

وأما عصر تابعي التابعين  الأئمة المجتهدين فقد اختلف كثيرا عن عصر سابقيهم حيث تغيرت ظروف حياتهم بالتساع الفتوحات واختلاطهم بالأعاجم الأمر الذى دفع بلغتهم إلى الوهن وأفسد السليقة فى طبعهم وأدخل فى العربية كثيرا من المفردات والأساليب غير العربية ولم تبق الملكة اللسانية على سلامتها مما أدى إلى كثرة الإشتباهات والإحتمالات فى فهم النصوص. أضف إلى هذا أن بعد العهد بفجر التشريع واحتدام الجدل بين أهل الحديث وأهل الرأي وإجتراء بعض أهل الأهواء على الاحتجاج بما لا يحتج به ، وإنكار بعض ما يحتج به دعا إلى كل هذا إلى البحث عن وضع الضوابط وبحوث فى أدلة الشرعية والشروط الاستدلال بها وكيفيه ، فنهض العلماء يدونون العلوم خوف ضياعها أو طعيان سيل العجمة عليها فيتحول هذا إلى انقسام له خطره على الإسلام والمسلمين . فكان هذا العصر عصر تدوين علم أصول الفقه لأن الأمة بحاجة إلى القواعد والضوابط لاستنباط الأحكام الشرعية ، بعد أن ضعف ملكتهم فى فهم التشريع لاختلاطهم بالأعاجم ولا سيما بعد ترجمت علوم المنطق والفلاسفة إلى لغة العرب .

واضع علم أصول الفقه

مما لا ريب فيه أن الأئمة المجتهدين الذين وجدوا بعد انقضاء عصر الصحابة والتابعين كانوا يراعون قواعد وعلم الاصول ويلتزمون قوانينه فى معرفة الأحكام الشرعية وكيفية استنباطها من أدلتها التفصيلية قبل تدوين تلك القواعد والقوانين وقبل أن تصبح علما مدونا يتعلم بالدرس والممارسة وليس هذا محل النزاع وإنما النزاع فى أول من وضع هذا العلم ودونه فعلماء الحنفية والشافعية يتنازعون أمر السبق فى وضع هذا العلم وتدوينه وإن كان المشهور أن أول من وضع ودون مجموعة مستقلة من بحوث علم الأصول وقواعده هو الإمام الشافعى المتوفى سنة : 204 هجرية . ولم يُعرف علم الأصول إلا فى قرن الثانى الهجرى لأن الحاجة لم تكن   داعية إليه فى قرن الأول وإلى أن ظهر الإمام الشافعى لم تكن هناك أصول عامة وقواعد كلية يُعتمد عليها . وهو أصح الأقوال على أن أول من دوّن علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي رحمه الله .

طريقة التأليف بعد عصر الإمام الشافعي

لما كان شأن كل مؤلف ابتداء في أي فن من الفنون ان لا يكون بالغا الغاية من الترتيب و الإتقان فالبداية الواضحة التارخية لأي علم انما هي حصاد تطور مبعثر طويل عبر عن نفسه في أكثر من صورة ، و إن لم يكن أعطي هذه الصورة مكانها الصحيح . فلذا جاءت رسالة الشافعي غير وافية في تفصيل مسائل هذا العلم و لا موضحة لها في الترتيب و النظام كما ينبغي و لكنها مع ذلك لفتت العلماء و الباحثين إلى موالاة البحث والدرس للاستزادة و حسن الترتيب و التنسيق مهتدين بتلك الرسالة فرتبوا ابحاثه في أربعة أبواب :

1-   الأحكام

2-   الأدلّة

3-   طرق دلالة الألفاظ على معانيها

4-   المجتهد المستنبط

و لكن هؤلاء العلماء اختلفوا في المناحي التي سلكوها و الطرق التي اتبعوها في التأليف تبعا لاختلاف أقطارهم و رغبة كل في الإنفراد بالتأليف و التدوين في قدره و اختلاف الغرض الذي يرمي إليه كل منهم . فمنهم من اتجها شارحا لأصول الشافعي مفصلا لما اجمل مخرجا عليها . ومنهم من أخذ بأكثر ما قرّر و خالفه في جملة تفصيلاة و زاد بعض اللأصول ، ومن هؤلآء الحنفية ، فقد اخذوا وزادوا الإستحسان و العرف ومنهم المالكية فقد قبلوا منهجه وزادوا عليه مخالفين له اجماع أهل المدينة الذي اخذوه عن مالك ، و أنكره عليهم الشافعية و الإستحسان و المصالح المرسلة وهما الأمران اللذان حاول هو ابطالهما ، كما زادوا عليه سد الذرائع و هكذا ارتضوا ما ارتضى وخالفوه ، وزادوا ما لم يرتضى ، ولعل أقرب المناهج إلى منهاجه ، منهاج الحنفية في الجملة ، وان كانت طرق الدراسة تختلف . والحنابلة أقرب من المالكية من حيث عدد الينابيع التي استقوا منها مادة الفقه .

فالخلاصة   أن طرق التأليف بعد عصر الإمام الشافعي تنقسم إلى ثلاث طُرق:

1-               طريف المتكلمين أو الطريقة الشافعية

2-               طريقة الحنفية

3-               وطريقة الجمع بين طرقي الشافعية والحنفية .

 

هذا والله تعالى أعلى وأعلم

 


[1] كتبه الطالب : جوكو نور سيو وردى

[2] انظر أصول الفقه لأبى زهرة ص : 11 ط . دار الفكر العربى سنة : 2006.

[3] انظر الإحكام للآمدى ج : 1 ص : 5

[4] المائدة أية :6

[5] الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى ص :  5 ج : 1

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: